نجيب الدين السمرقندي

359

شرح الأسباب والعلامات ( شرح نفيس الكرماني )

واحمرّ بالحرارة النارية وذلك يدل على انفتاح السدّة لأن السدّة ما دامت باقية تحتبس الأخلاط الغليظة وراءها وتتصفّى المائية الرقيقة . ومتى كان حدوثها عن البلغم الزجاجي كان في ابتدائها نافض شديد لأنه أغلظ أصناف البلغم وأشدّها لزوجة فيتشبّث بالأعضاء ولا ينقلع الّا بحركة شديدة وارتعاد قويّ وإن كان عن البلغم الحامض كان معها برد شديد ؛ لأن حموضته إنما تكون إذا فعلت في البلغم الحلو حرارة ضعيفة وأوجبت له غليانا وتخلخلا ثم استولى عليه البرد لذلك « 1 » وقهر الحرارة فحمض مثل سائر العصارات ، فيكون أنفذ في خلل الأعضاء والعضلات وأغوص في جرمها لرقته وحموضته فيحس ببرده أكثر مما يحس ببرد الزجاجي وغيره ولا يكون معه نفض شديد لرقته وقلة لزوجته فلا يحتاج في انقلاعه إلى ارتعاد قوى وما كان من بلغم مالح فيتقدمه اقشعرار من غير نفض قوى إذ ليست له لزوجة الزجاجي ولا لذع المادة الصفراوية وحدّتها ولا يشتدّ برده لأنه أسخن أصناف البلغم وأسهل قبولا للعفونة فتلتهب فيه الحمى بسرعة ويسخّن البدن ويكثر ارتفاع الأبخرة الحادّة منه إلى ظاهر الأعضاء وما كان من بلغم حلو فقلّما يتقدمه - إلى كثير من النوائب - قشعريرة ولا برد ولا نافض ؛ لأنه ليس شديد البرد من حيث إنه قارب النضج ولذلك قال « صاحب الكامل » : إنه أسخن أصناف البلغم وليس له شدة ولا لذع ولا حدّة فلا تحدث منه هذه العوارض عند حركته من مستوقد العفونة ، حتى إذا امتدّت النوائب وتحلل منه ما كان ألطف وأرقّ وأحلى فيغير في كيفيته إما إلى برد شديد أو حدّة قوية . وربما يظهر في هذه الحمى المواظبة في الأوائل حرّ شديد وفي الأواخر يقلّ ذلك الحر ؛ لأن العفونة تسبق أولا إلى الأحلى والأملح والأرقّ لما ذكر فتتبخّر عنها أبخرة حادّة لحرارتها ورقتها ثم إلى الأبرد والأغلظ وهو لا يتعفن بسهولة فلا يسخّن سخونة شديدة ولا تنفصل عنه أبخرة حادّة ولا كثيرة لغلظه ولزوجته وبرودته فلا يكون معها التهاب ولا كرب ولا اشتياق كثير إلى الهواء البارد والماء البارد ولا إلى التكثيف والتخلخل . ومدة أخذ هذه الحمى أطول من مدة الفترة ، لما ذكر . ولا ينقى البدن فيها من الحرارة نقاءا تاما بل تبقى فيه بقية إلى أن تكرّ النوبة الثانية لكثرة المادة

--> ( 1 ) . أي : للتخلخل ؛ لأن الاجزاء النارية المحتقنة في البلغم يتفارق وينفصل عنه لتخلخله .